الشنقيطي

187

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أما رده إلى النار فأمر لم يشهده ولم يؤمنوا به ، فلا يصلح أن يكون دليلا يقيمه عليهم ، لأن من شأن الدليل أن ينقل من المعلوم إلى المجهول والبعث هو موضع إنكارهم ، فلا يحتج عليهم لإثبات ما ينكرونه بما ينكرونه ، وهذا الذي ذهب إليه واضح . ومما يشهد لهذا الوجه : أن حالة الإنسان هذه في نشأته من نطفة ، فعلقة ، فطفلا ، فغلاما ، فشيخا ، فهرم ، وعجز . جاء مثلها في النبات وكلاهما من دلائل البعث ، كما في قوله : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ - إلى قوله - كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ [ الحديد : 20 ] ، وقوله : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ [ الزمر : 21 ] . فكذلك الإنسان ، لأنه كالنبات سواء كما قال تعالى : وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً ( 17 ) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً [ نوح : 17 - 18 ] . ويكون الاستثناء إلا الذين آمنوا فإنهم لا يصلون إلى حالة الخوف وأرذل العمر ، لأن المؤمن مهما طال عمره ، فهو في طاعة ، وفي ذكر اللّه فهو كامل العقل ، وقد تواتر عند العامة والخاصة أن حافظ كتاب اللّه المداوم على تلاوته ، لا يصاب بالخرف ولا الهذيان . وقد شاهدنا شيخ القراء بالمدينة المنورة للشيخ حسن الشاعر ، لا زال على قيد الحياة عند كتابة هذه الأسطر تجاوز المائة بكثير ، وهو لا يزال يقرئ تلاميذه القرآن ، ويعلمهم القراءات العشر ، وقد يسمع لأكثر من شخص يقرؤون في أكثر من موضع وهو يضبط على الجميع . وقد روى الشوكاني مثله ، عن ابن عباس أنه قال ، ذلك . قوله تعالى : فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [ 6 ] . أي غير مقطوع أو غير ممنون به عليهم . وعلى الأول : فالأجر هو الثواب ، إما بدوام أعمالهم لكمال عقولهم ، وإما بأن اللّه يأمر الملائكة أن تكتب لهم من الأجر ما كانوا يعلمونه في حال قوتهم من